ebnel7mayel
أتعلمت فى حياتى أنجرح واوصل أحلامى وتخيلت القهر فرحه ؛؛ وسميت الحزن مزحه ؛؛ يا جرح من وين أبتدى
.
.

أيام السادات

الرئيس السادات.. يشرح خطة حرب أكتوبر،<br> علي خريطة غرفة عمليات القوات المسلحة..<br> وحوله كبار قادة حرب أكتوبر

الرئيس السادات.. يشرح خطة حرب أكتوبر،
علي خريطة غرفة عمليات القوات المسلحة..
وحوله كبار قادة حرب أكتوبر

شهد العالم كله 'حرب المذكرات' بعد هزيمة 67 وبعد انتصار ..73
فبعد 67 كان اليهود أعلي صوتا، ومعهم حق.. فقد انتصروا. وبالغوا في إنجازاتهم وفي تحقير شأن الجيش المصري، والعرب جميعا.. وكان المصريون أضعف صوتا. فقد ركبهم العار والهوان.. وفجأة ظهرت نبرة جديدة علي أقلام الكثيرين من المصريين. ومعني هذه النبرة: أنني وحدي البريء وكل الناس مجرمون.
وضاعت الحقيقة.. وكانت مصر كلها هي الضحية بأقلام أبنائها، وغيرهم الذين يتاجرون بأقلام وآلام مصر..
وإذا كانت الحقيقة قد 'ضاعت' بعد 67 ، فإن الحقيقة قد 'أضاءت' بعد ..73 وكان نورها باهرا.. وفي هذا الضوء الباهر ضاعت ' الحقيقة أيضا' .. أو ضلت الحقيقة طريقها إلي الناس..
وكتابة التاريخ تحتاج إلي معرفة المادة التاريخية ووزنها ودقة مصادرها ووضوح الرؤية وثباتها والصدق والأمانة..
وكل ما حدث في 1973 وبعدها يشرف مصر ويرفع من قدر العرب جميعا.
وكل الناس تكلموا وقالوا . إلا الرجل صاحب القرار : أنور السادات.. صحيح أنه تكلم كثيرا إلي الشعب المصري. وشرح وأوضح وأقنع..
ولكن أنور السادات أراد أن يكون مؤرخا أو يكون 'مادة للتاريخ' في أدق وأخطر مراحله فأملي مذكراته وانطباعاته .. وتحدث عن نفسه.. عن 'التركيبة النفسية' التي استعدت لإصدار هذا القرار المصيري رغم العذاب والعناء والهوان الشخصي.. ورغم القلق والتآمر عليه وعلي مصر...
ويكفي علي سبيل المثال أن ننظر إلي الساعات الأولي من يوم 6 أكتوبر كما رواها أنور السادات.. ونفس الساعات كما روتها جولدا مائير عن نفسها في كتابها 'حياتي' .
الرعب والفزع والخوف والضباب والشك في تل أبيب.. والهدوء والأمان والاطمئنان في القاهرة..
وهذا الذي أصاب رئيسة وزراء إسرائيل يؤكد: أننا نجحنا تماما في إخفاء كل شئ وتضليل كل مصادر المعلومات الأجنبية في مصر..
ثم كان النصر الحاسم لنا.. وهذا مايرويه الرئيس السادات بالعقل وصفاء النفس والثقة بالله وبالناس في هذا الجانب من مذكراته...

في صباح السبت (10رمضان 6 أكتوبر) استيقظت بعد ليلة هادئة ونوم عميق، وكان برنامجي في هذا الصباح هو نفس برنامج يومي العادي.. قمت في الصباح بممارسة التدريبات الرياضية التي تعودت عليها لإيماني بمبدأ ' إن لبدنك عليك حقا' وكان هذا بعض ما تعلمته في السجن. فحتي يعيش الإنسان في توازن سليم لابد أن يحصل علي توازن دقيق بين العقل والجسم والروح، فإذا اختل هذا التوازن بين العناصر الثلاثة فسوف يهتز الإنسان في حياته وسلوكه، وبالتالي في كل القرارات التي يتخذها.
وهذه اللمحة التي أذكرها الآن ربما تكون شخصية بحتة، ولكن لارتباطها الوثيق بمشاعري وأفكاري في ذلك اليوم الخالد، رأيت أن أتحدث عنها حتي أسجل الخلفية الفكرية والوجدانية التي واكبت لحظات ماقبل الثانية بعد ظهر يوم السادس من أكتوبر 1973، لا يستطيع الإنسان أن يصدر قرارا إلا إذا عاش حياة حقيقية بمعني الكلمة. وهذه الحياة لا تعتمد علي ذلك التوازن الدقيق الذي ذكرته.
وأحمد الله علي تجربة السجن التي أمضيت فيها واحدا وثلاثين شهرا من يناير 46 إلي يوليو 48 ، فقد منحتني التوازن الذي يعتمد علي السلام الروحي والتنشيط العقلي والرياضة البدنية. وكانت هذه العناصر الثلاثة هي التي جنبتني الانفعال والعصبية والتشنج.
لذلك استيقظت صباح 6 أكتوبر 1973 وأديت التمرينات الرياضية لكي أعطي جسمي حقه، وكان عقلي في منتهي النشاط والراحة وعلي استعداد تام لتحمل مسئوليات اليوم الجديد. فعندما يحصل الجسم علي لياقته فإن هذا ينعكس بدوره علي العقل.
أما روحي فكانت في شبه صلاة صامتة من أجل اليوم الذي سنحطم فيه جدار الصمت والخوف والرعب والانهزامية لقد عقدنا العزم علي اجتياح كل ما يعوق مسيرتنا وليكن ما يكون. فقد كانت حساباتي تدل علي أن المكسب لنا مهما كانت النتيجة.
وهكذا استمر برنامج يومي العادي، فقد كان 6 أكتوبر 1973 بالنسبة لي يوما من أيام العمل الذي حملته علي كتفي منذ 28 سبتمبر 1970 بل ومن أيام العمل السياسي والكفاح السري اللذين خضتهما بكل قواي منذ تخرجي في الكلية الحربية عام .1938


في غرفة العمليات


في الساعة الواحدة وعشرين دقيقة من يوم 6 أكتوبر جاءني الفريق أول أحمد إسماعيل كما اتفقنا. خرجنا معا ولم نركب العربات الخاصة برئاسة الجمهورية بل ركبنا عربة الجيب الخاصة بالجيش وقد ارتديت الزي العسكري. وتوجهنا إلي غرفة العمليات أو ' المركز 10' الذي يقع تحت الأرض وقد جهز بأحدث متطلبات الأساليب العسكرية الحديثة ويمكن الاتصال منه بأي مكان في مصر سواء في الجبهة أو في القاهرة أو الاسكندرية أو أسوان، حتي في حالة قطع التليفونات والاتصالات السلكية.
وفي الساعة الواحدة والنصف دخلت غرفة العمليات وألقيت بالتحية إلي أولادي القادة وكانوا علي أتم استعداد وكل واحد منهم يرابط أمام خرائطه بينما علقت الخريطة الكبيرة علي الحائط وثبتت الخريطة التفصيلية علي المائدة التي تتوسط الغرفة. وأمامي مباشرة وقف ضباط الدفاع الجوي أمام خريطة مصر التي وضعت وراء حواجز زجاجية لكي يتلقوا البيانات عن أي نشاط لطيران إسرائيل ثم يقوموا في الحال برصده والتعامل معه.
اتخذت مكاني في الغرفة والقائد العام علي يميني ورئيس الأركان علي يساري وإلي جانبه الجمسي مدير العمليات وأمام مكتبه مجموعة تليفونات للاتصال بجميع فروع القوات المسلحة، وكان في إمكاننا أن نشاهد من أماكننا اللوحة الزجاجية فنعرف سير العمليات الجوية بالكامل وهذا هو النظام المتبع في كل غرف العمليات الحديثة، وكانت غرفتنا مثالا لمصر الحديثة التي نتمناها جميعا ونعمل علي تحقيقها فهي مجهزة بأحدث ما في العصر لكي تناسب الحرب الحديثة التي نديرها منها.
صحيح أنها كانت في حدود إمكانياتنا المتاحة لكنها كانت تتمشي مع روح العصر تماما.
كنا في العاشر من رمضان وكعادتي دائما كنت صائما. فلم أتعود أن أتذرع بالظروف تهربا من الصيام . هذا برغم أن الدين يسمح بالإفطار في السفر والمرض والحرب بالذات.
ولم يشذ العاشر من رمضان عن هذه القاعدة بالنسبة لي شخصيا ولكن كانت تعليماتي تحتم أن يفطر الجميع، فيجب ألا تكون هناك فرصة خطأ أو سهو ولو 1 % نتيجة الصيام، وخاصة بالنسبة للذين اعتادوا التدخين أو تناول الشاي أو القهوة، فمن المحتمل جدا أن يؤثر الامتناع عنهما في كفاءة الأداء أو أي شئ من هذا القبيل.
طبقا للدين فإن الإفطار حلال في هذه الظروف وقد أصدرت التعليمات بضرورة الافطار. وعندما جلست في غرفة العمليات لم أدخن ولم أشرب كوبا من الشاي أو النعناع كعادتي وكنت أتصور أن القادة قد نفذوا التعليمات بالإفطار ولكنني لم أجد أحدا منهم يدخن أو يشرب شيئا وعندما سألتهم عن مدي تنفيذهم للأوامر بالإفطار ولماذا لا يدخنون ولا يشربون الشاي أصابهم حرج شديد أمامي.
فقلت إن العملية تحتاج إلي تركيز شديد وانتباه مكثف، وفي الحال طلبت كوبا من الشاي وكذلك إحضار البايب من عربتي بالخارج وشربت الشاي بالفعل، فكانت النتيجة أن زال الحرج وشرع الجميع في التدخين وشرب الشاي.


ضربة الطيران


وحسب الخطة الموضوعة صدر بيان الساعة الثانية ظهرا يعلن أن الإسرائيليين اعتدوا علينا في البحر الأحمر في نقطتين وأننا نقوم برد الضربة وصد العدوان. ورغم أنه لم يحدث ساعتها أي اعتداء إسرائيلي إلا أن هذا البيان يعتبر أسلوبا دبلوماسيا في مخاطبة شعوب العالم، وهو بالنسبة لنا لم يكن خداعا دبلوماسيا، أي أننا لم نكذب علي العالم ، ولأننا نعتبر مجرد وجود القوات الإسرائيلية علي أرضنا هو اعتداء مستمر علينا.
وفي لحظة صدور البيان كانت طائراتنا تعبر القناة وتنقض علي المواقع الإسرائيلية في سيناء . وأعلن الميكروفون في غرفة العمليات أن الطيران عبر وتوغل في سيناء. وكانت فرحة رائعة لا مثيل لها. كنت أجلس هادئا جدا، ولو تمكن أحد من رؤية نفسي من الداخل في تلك اللحظة الخالدة لأحس بنوع غريب من الطمأنينة يسري في كل كياني. لم أكن أحمل هما من تلك الهموم التي أثقلت كاهلي منذ هزيمة .1967 وكما قلت من قبل أن كل الهموم ذابت بكسرنا حاجز الخوف والهزيمة والمهانة والمذلة والضياع والتمزق وكل الأعراض المرضية التي عانت منها أمتنا العربية ومصرنا الغالية.
بعد ثلث ساعة بالضبط انتهت ضربة الطيران. كانت ضربة رائعة أعادت لقواتنا المسلحة كرامتها التي انتهكت عام 1967 وقبلها في عام .1956
كان الهجوم بأكثر من 220 طائرة ولأنه طيران نفاث وسرعته تفوق سرعة الصوت فإن الضربة لم تستغرق أكثر من 15 دقيقة، وقد قام أبنائي بأروع واجب يمكن أن يقوم به أي سلاح طيران في العالم من حيث الكفاءة والدقة والمفاجأة في تحقيق كل مهمة أسندت إلي طيار من الطيارين.
وكان تقدير الخبراء الروس إننا سنفقد في الضربة الأولي من 30 % إلي 40 % وإننا سنحقق 30 % من الهدف، ولكننا لم نفقد سوي خمس طائرات أي حوالي 2 % وحققت الضربة 99 % من الهدف. كانت من بين الطائرات التي فقدت طائرة أخي الأصغر المرحوم 'عاطف' الذي كان في منزلة ابني لأنني قمت بتربية كل أخوتي وتعليمهم علي طريقتنا في القرية.
ولذلك أخفي أحمد إسماعيل وحسني مبارك نبأ استشهاد عاطف عني، ولم يصرحا بأكثر من أننا فقدنا خمس طائرات فقط.
استشهد أخي عاطف في الدقائق الخمس الأولي من بدء المعركة كان من المفروض أن يضرب السرب دفاعات أحد المطارات الإسرائيلية في عمق سيناء لكي يمهد الجو لزملاء السرب القادم خلفه حتي يضربوا المطار ضربا نهائيا لأن دفاعات المطار تكون حينئذ قد عجزت تماما عن أداء واجباتها. وبالفعل حقق عاطف مع سربه مهمته بالقضاء التام علي دفاعات المطار.
وبعد ذلك جاء السرب التالي لهم لكي يدك المطار دكا كاملا ويحوله إلي حطام وحرائق. وكان من الممكن في هذه اللحظة أن يعود أخي عاطف سالما إذ إنه كان قد أدي واجبه كاملا طبقا للأوامر الصادرة إليه، ولكنه أصر علي التأكد من أن دفاعات المطار قد قضي عليها تماما فعاد أدراجه وكان استشهاده في عودته.
ولكنني لم أكن أفرق بين ابني وأخي عاطف وبين أولادي الطيارين، فلم يكن أخي سوي واحد ضمن باقة الشهداء الغاليين الذين ضحوا بحياتهم لكي تعود إلينا الكرامة والكبرياء والطمأنينة والثقة.
والحمد لله لم نفقد من طائراتنا سوي خمس طائرات فقط، وخسارة خمس طائرات فقط من مائتين وعشرين طائرة تعني أن الضربة كانت ناجحة مائة في المائة وحققت كل أهدافها.
قلت للقادة: هؤلاء أولادي يعودون إلي سابق مجدهم فقد كانت ضربة الطيران هذه هي سر نجاح خطتنا لأنها أفقدت إسرائيل توازنها بضرب جميع مراكز القيادة ودكها تماما. وهذه المراكز تشمل مراكز السيطرة مثل إدارة الطيران والدفاع الجوي والشوشرة وغيرها من الشرايين الحيوية لأي جيش حديث.
وبالطبع عندما يندك كل هذا في وقت واحد فلابد أن يصاب الجيش الإسرائيلي كله بالشلل التام. ولذلك صرحت بعد أربع ساعات من بدء المعركة أن إسرائيل قد فقدت توازنها تماما، ولكي تستعيد كل مراكز القيادة هذه وتبنيها من جديد يكون الوقت قد مر في غير صالحها، ويكون قد انتهينا من مهمتنا الأساسية الأولي:
والفضل في هذا كله يرجع إلي ضربة الطيران المحكمة الموفقة التي أذاقت إسرائيل لفحات الجحيم المستعر الذي عاشت فيه مصر منذ التاسعة صباح يوم الاثنين الخامس من يونيو 1967 إلي الثانية ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر .1973 منذ تلك الساعة الخالدة صدرنا الجحيم إلي إسرائيل لكي تعود إلي حجمها الطبيعي: مجرد دولة تابعة تعيش علي صدقات الآخرين وحسناتهم.
ولعل هذا من الأسباب التي أدت إلي اختياري لحسني مبارك نائبا لرئيس الجمهورية لأنه في ضربة واحدة أفقد إسرائيل توازنها، وفتح الطريق أمام قواتنا المسلحة كي تحطم إلي الأبد خرافة الجيش الذي لا يقهر، وأنهي أسطورة التفوق الإسرائيلي التي خدعت العرب حوالي ربع قرن من الزمان، واستعاد لسلاح الطيران المصري كرامته التي جرحت في معركتي عام 1956 وعام 1967 لإهمال القيادة في المعركتين..
ولم يستعد حسني مبارك كرامة الطيران فقط، بل كرامة القوات المسلحة وكرامة الشعب المصري وكرامة الأمة العربية كلها. وقد نجحت كل التكتيكات والخطط التي اتفقنا علي أن ينفذها سلاح الطيران بحيث ظل سليما ومتماسكا تماما حتي الأيام الأخيرة من المعركة. هذا في الوقت الذي فقدت فيه إسرائيل ثلث سلاح طيرانها في الأيام الثلاثة الأولي للمعركة ومازال سلاحنا الجوي متماسكا حتي الآن، لأن خسائرنا في الطيران انحصرت في الثغرة عندما وجه مبارك أشد الضربات الموجعة والمميتة للثغرة الإسرائيلية. وأنا في هذا أستشهد بكلام اليعازر رئيس الأركان الإسرائيلي المعزول عن خسائرهم في الثغرة الرهيبة التي دفعوا ثمنها باهظا من أجل استعراض تليفزيوني سخيف..
وبالإضافة إلي شهادة اليعازر، هناك شهادة أحد الطيارين الأسري الذين كانوا يعملون في نقل الجرحي الإسرائيليين، وهذه الشهادة مسجلة عندنا وتوضح الخسائر الرهيبة التي أصابت الإسرائيليين في الثغرة التي كانت مقبرة لهم بكل ما تصوره المقابر من صور الموت، قد أعلنت وأنا في عمان أخيرا أنني أتحدي أن تعلن إسرائيل عن خسائرها في الثغرة وعن تفاصيل هذه العملية المسرحية..


طورنا العلم العسكري


نعود إلي الساعة الثانية بعد ظهر يوم السادس من أكتوبر حين هجمت طائراتنا علي ارتفاع منخفض جدا لكيلا تظهر علي الرادار الإسرائيلي. وعندما شاهدت قواتنا الرابضة علي خط النار طائراتنا وهي تنقض علي المواقع الإسرائيلية لم تنتظر صدور الأمر إليها ببدء القتال، وإذا بالجزء الأكبر منها يعبر القناة كالسيل الهادر. وبالطبع صدر الأمر في الحال بالهجوم العام لجميع قوات الجبهة والانقضاض علي مواقع العدو.
بدأت عندئذ مراحل تنفيذ الخطة وعبرنا القناة، ولأول مرة يغير المصريون التخطيط العسكري المتعارف عليه في العالم كله، والقاعدة العسكرية العالمية بل والتاريخية تحتم ألا يقابل المدرعات سوي المدرعات. ولم يخرج أحد من قادة الحروب في التاريخ عن هذه القاعدة، فيجب ألا تواجه المشاة مدرعات، المشاة بالتعبير العسكري SOFT ولا تتحمل هجمات المدرعات الصلبة.
ولكن في حرب أكتوبر وهي الحرب التي قلبت كل الموازين العسكرية والسياسية والاقتصادية رأسا علي عقب نزلت قواتنا الخاصة مع قوات المشاة المدربة حاملة الصواريخ في اليد وعلي الكتف. هجمت القوات مستعيدة مناطق ومواقع شرق القناة وذلك بعد أن تمكنت من القضاء علي عدد كبير من الدبابات الإسرائيلية حتي تمهد الجو وتتيح الفرصة للدبابات المصرية لكي تعبر وتسجل في تاريخ العسكرية العالمية أروع وأعنف وأكبر معارك الدبابات.
ولم يكن القضاء علي الدبابات الإسرائيلية سهلا، فقد سبقته عمليات إعجاز عسكري خارق لكل قوانين الحرب..
كان من المفروض أن يبدأ ضرب المدفعية بأكثر من ألفي مدفع بعد ضربة الطيران فورا. ثم يبدأ عبور المشاة، ولكن عبور المشاة تم قبل ضرب المدفعية لأنهم لم ينتظروا الأمر بالهجوم كما قلت.
بدأ الإعجاز المصري بتسلق المشاة للحاجز الترابي الذي كان يصل في بعض مواقعه إلي ارتفاع أكثر من 17 مترا وقد تم التسلق بأساليب أذهلت الإسرائيليين والعالم كله معهم لأننا استخدمنا عمليات تكاد تكون بدائية مثل سلم الحبال الذي يحمله أول متسلق وعندما يصل إلي القمة يقوم بمده حتي يتسلقه الباقون. وكان المتسلقون يحملون الأسلحة المضادة للدبابات مثل الصواريخ والمدافع من طراز ب 10 والأربيجيه 7 وهي ثقيلة تماما .
وبنفس السرعة أعدوا المدافع للانطلاق وهجموا علي المواقع التي أعدها الإسرائيليون خلف الساتر الترابي في شرق القناة لكي تهاجمنا منها قواتهم ودباباتهم في حالة حدوث أي هجوم مصري ، سبق أولادنا جنود إسرائيل واحتلوا المواقع وسيطروا عليها لكي يغطوا قواتنا التي كانت تعبر في تلك اللحظات الرهيبة.
بدأت موجات العبور تتوالي وكان مهرجانا وطنيا في غرفة العمليات صحيح لم يكن هناك صوت ما، فقد كان العمل الصامت والتفكير الهاديء يسيطران علي تصرفات كل القادة ولم يكن يسمع سوي صوت الميكروفون الذي يعلن: لقد عبر اللواء السابع وغرس العلم علي الضفة الشرقية.
كان أول تبليغ عن أول لواء مصري يعبر. ثم توالت الأنباء بعد ذلك عن استعادة النقط الحصينة في خط بارليف الذي يمتد علي القناة مباشرة. كانت النقط الحصينة تتساقط مثل أوراق الخريف أمام سيل أولادنا الهادر.
وبعد أربع ساعات كان من الواضح تماما إن الإسرائيليين فقدوا توازنهم بالكامل بضياع السيطرة علي قياداتهم وقواتهم.


شي لم يخطر علي بال إسرائيل


بعد ذلك بدأ سلاح المهندسين في استخدام نظرية شق الحاجز الترابي بخراطيم المياه المكثفة. وهي النظرية التي لم تكن لتخطر علي بال أحد من القادة العسكريين الإسرائيليين أو حتي العالميين. ولذلك فالجميع مذهولون حتي الآن كيف حدث هذا بهذه البساطة؟؟
والحقيقة أن هذه عملية مصرية مائة في المائة استطعنا اكتشافها من خبرتنا الهندسية والعملية في بناء السد العالي. فقد كان هناك سد رملي عندما بني جسم السد الكبير لكي يحتل المكان الذي ستدخل منه المياه إلي محطات الكهرباء وعند الانتهاء من بناء السد العالي تقرر التخلص من السد الرملي عن طريق توجيه الخراطيم إلي منتصفه لكي تحدث فيه ثغرة عندئذ تتكفل المياه المحجوزة وراء السد الرملي بأن تجرفه فورا.
ولقد استخدمنا نفس النظرية لفتح الثغرات في الساتر الترابي علي القناة برغم أنه لم تكن هناك مياه تعمل علي جرفه ولكننا اقتصرنا علي فتح الثغرات التي تتيح عبور الدبابات وفعلا نجحت النظرية نجاحا منقطع النظير.
استمر تركيب الجسور علي القناة ولم تكن سوي جسور من طراز الجسور التي استخدمت في الحرب العظمي الماضية والتي تحتاج إلي فترة من 5 إلي 7 ساعات لتركيبها وهي ماسمح لنا به الروس في الوقت الذي كان عندهم الجسور الحديثة التي يمكن تركيبها في نصف ساعة فقط ولم يرسلوها إلا بعد عتابي الشديد لكوسيجين رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي ووصلتنا قبل وقف القتال مباشرة وعلي جسور من هذا الطراز القديم بدأ عبور الدبابات في المساء وتم كل شئ قبل مواعيده المنصوص عليها في الخطة فقد استطعنا استغلال الغرور الذي أصاب الإسرائيليين وأعماهم عن رؤية الأمر الواقع بابعاده الحقيقية.
هكذا عبرت قواتنا المدرعة كلها ووصلت إلي الخط المقرر لها في الخطة وتم تنفيذ كل العمليات المتصلة بالخط الأول قبل مواعيدها المقررة وذلك استعدادا لتطوير الهجوم إلي المرحلة الثانية بالوصول إلي الخط الثاني عند المضايق.
كان العطل الوحيد قد تمثل في موقع واحد من الجيش الثالث أمام السويس فعندما وجهت خراطيم المياه إلي الساتر الترابي أحدثت في الأرض نوعا من الرخاوة واللزوجة بسبب ملوحة الأرض في تلك المنطقة ولذلك كان عبور الدبابات صعبا لأول وهلة، لدرجة أن الدبابة الأولي غرزت وعجزت عن التقدم وعندئذ تصرف القائد بحكمة لكيلا يضيع الوقت الثمين، فأمر بإعادتها والقائها في القناة لكي تخلي الطريق للدبابات التالية ونفذ هذا حرفيا وتم اخراج الدبابة أخيرا في عمليات تطهير القناة التي تمت قبل افتتاحها في 5 يونيو .1975


كيف نتكلم؟


كانت الحملة الإعلامية المصرية علي مستوي المعركة أيضا وتجلي هذا في أسلوب صياغة البلاغات العسكرية فإذا أخذنا البلاغ الأول الذي أعلن أن قواتنا تتعامل مع العدو وترد عليه قبل إعلان العبور نجد أنه حدد بعض المناطق في البحر الأحمر والبحر الأبيض لكي تتفاداها الملاحة والطيران الدوليان حرصا منا علي الأمن العالمي فقد كنا كما قلت نعمل علي أحدث أساليب العلم وضرورات العصر، وكان لهذا تأثير كبير علي الإسرائيليين أنفسهم فقد ظنوا أننا نقول كلاما لمجرد الاستهلاك المؤقت ولسنا بقادرين علي تنفيذ ما نقول، ولذلك لم يعبأوا بتحذيراتنا ولكنهم عادوا إلي صوابهم عندما ضربت سفينة لهم كانت في طريقها إلي إيلات ولم نعلن أننا ضربناها أدركوا في الحال أننا نعني ما نقول وأوقفوا الملاحة في المناطق التي حددها بلاغنا.


مفاجأة السفير السوفيتي


في غرفة العمليات، توالت البلاغات بسقوط النقط ورفع العلم المصري هنا وهناك . وأصبحت اللواءات تتنافس فيما بينها علي رفع الأعلام وخاصة عندما تسمع لاسلكيا أن لواء جديدا رفع العلم وهكذا.
وظللت اتابع الموقف من غرفة العمليات حتي الساعة الثامنة إلا ثلثا، عندما أبلغني قصر الطاهرة أن السفير السوفيتي طلب مقابلتي لابلاغي رسالة عاجلة من القادة السوفيت. وإذا بالسفير يبلغني أن الرئيس حافظ الأسد قد طلب وقف إطلاق النار في ظروف 48 ساعة. وتوالت مقابلات السفير السوفيتي لي.
بالنسبة للموقف العالمي ابتداء من يوم 6 أكتوبر فقد ظل العالم كله مبلبلا ومنحازا لوجهة نظر إسرائيل بحكم تعوده علي هذا الوضع لمدة ربع قرن.
صدق العالم بلاغات إسرائيل التي ادعت أنها ستطحن عظامنا وتكسر جماجمنا وبالطبع لم يقتنع العالم بصحة بلاغاتنا علي الأقل في أول يومين من المعركة برغم أن أحمد إسماعيل كان متحفظا في البلاغات التي كان بعضها يعلن عن خسائر في الدبابات الإسرائيلية أقل من الخسائر الحقيقية. فقد تعود أن يطلب التأكيد من أكثر من جهة وعندما لاتتوافر لديه البيانات المشتركة كان يأخذ بالرقم الأقل ولذلك إذا جمعنا خسائر الدبابات الإسرائيلية فسنجد أنها أكثر في الحقيقة بمائة أو مائة وخمسين دبابة علي أقل تقدير.
أي أن أحمد إسماعيل استفاد من دروس هزيمة سنة 1967 التي لم تكن بلاغاتها سوي ادعاءات لشغل الرأي العام عن الحقيقة المرة أطول فترة ممكنة وفي الحقيقة كانت تعليماتي لأحمد إسماعيل تنص علي وضع الحقيقة كاملة بمرها وحلوها، أمام الشعب، وهي نفس التعليمات التي أصدرتها لعبد القادر حاتم بحكم إشرافه علي الجانب الإعلامي فقد آن الأوان لكي نعود شعبنا علي سماع الحقيقة وتقبلها مهما كانت.
في اليوم الثالث من المعركة بدأت الأمور تتكشف علي حقيقتها للعالم الخارجي الذي بدأ يتسرب إليه الشك في حقيقة البلاغات الإسرائيلية وبالتالي بدأ في الانصات جديا للبلاغات المصرية.
وكانت جولدا مائير علي ما اتضح بعد ذلك قد اتصلت بواشنطن تليفونيا وقالت لهم إن إسرائيل في حاجة إلي يومين فقط لتحطيم عظام العرب في مصر وسوريا وبعد الانتهاء من هذه المهمة البسيطة ستطالب إسرائيل أمريكا بأن تستعوض كل الأسلحة التي فقدتها في القضاء علي العرب. وطمأنت مائير واشنطن بألا تقلق أمريكا علي إسرائيل التي تعرف جيدا كيف تتعامل مع العرب.
مضي يومان بعد مكالمة جولدا مائير واتصلت إسرائيل تليفونيا بواشنطن لتقول إنها مازالت في حاجة إلي يومين آخرين للقضاء علي العرب لأنها استخدمت اليومين الماضيين في التعبئة والحشد بسبب عيد الغفران الذي عطل هذه العملية، خاصة أن إسرائيل لم تعلن التعبئة . وأكد ديان في حديثه علي حق إسرائيل في استعواض الأسلحة بعد القضاء علي العرب في ظرف 48ساعة.
وعندما زارني كيسنجر في القاهرة لأول مرة أخبرني بأن الشك قد تسرب إلي نفسه بعد مكالمة ديان فطلب تقريرا عن المعارك من البنتاجون ثم أجري تحقيقا مع وزراة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية والبنتاجون لتقصي الأسباب التي عجزت معها كل هذه الأجهزة العاتية عن التنبؤ بوقوع هذه المعارك الضارية في مثل هذه المنطقة الحساسة والحرجة.


رسالة استغاثة.. انقذوا إسرائيل


وفي نهاية مهلة اليومين التي طلبها ديان استغاث السفير الإسرائيلي في واشنطن بوزارة الخارجية الأمريكية في رسالة عاجلة تصرخ: 'أنقذوا إسرائيل' .. وأعلن السفير أن إسرائيل فقدت أربعمائة دبابة علي الجبهة المصرية والحالة في غاية الخطورة لأن الطريق أصبح مفتوحا إلي تل أبيب.. وانتهت الرسالة التاريخية عند هذا الحد.
وعندئذ طلب كيسنجر جولدا مائير مباشرة بالتليفون وقال لها إن السفير الإسرائيلي في واشنطن قد أبلغه باستغاثة إسرائيل العاجلة وطلبها أربعمائة دبابة فورا بدلا من الدبابات التي فقدتها علي الجبهة المصرية. وأبلغها كيسنجر أيضا أنه طلب تقريرا عاجلا من البنتاجون الذي استعان بالقمر الصناعي في كتابة التقرير. وتشير كل الدلائل إلي أن المعركة علي الجبهة المصرية تسير في غير صالح إسرائيل نهائيا، وإن خسائر إسرائيل بلغت حدا لايصدق فهل هذا صحيح؟ وهل صحيح أن إسرائيل طلبت النجدة السريعة؟
أجابت جولدا مائير علي كيسنجر بالإيجاب وأبلغته أن ديان طلب ذلك بناء علي موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي واعترفت بأن إسرائيل في انتظار الوصول الفوري للدبابات الجديدة حتي تنقذ إسرائيل نفسها من الهوة الرهيبة التي وقفت علي حافتها وأوشكت علي السقوط فيها بالفعل بل إنها استخدمت تعبيرا ذكره إليعازر رئيس الأركان الإسرائيلي في مذكراته وهو: إن إسرائيل في القاعIn the Bottom عندئذ صارحها كيسنجر برأيه وقال لها إن علي إسرائيل أيا كانت النتيجة النهائية أن تجهز نفسها للأوضاع الجديدة المترتبة علي هذه الهزيمة.
ومع ذلك فستبذل أمريكا أقصي ما في وسعها لإنقاذ إسرائيل ومساعدتها بكل الوسائل الممكنة.
ولكن جولدا مائير حاولت المكابرة مرة أخري بادعائها أن إسرائيل مازالت قادرة علي دق عظام العرب وطحن جماجمهم.
لم يقتنع كيسنجر بكلام مائير لأنه مفكر استراتيجي يري الواقع من خلال الحسابات الدقيقة وليس في ضوء ما يتمناه الآخرون..
فطالما صدق هو نفسه الأسطورة الضخمة التي بنتها إسرائيل حول تفوقها الساحق وذراعها الطويلة التي يمكن أن تبطش بأية منطقة في العالم العربي مهما بعدت ولكن عندما وصله تقرير البنتاجون تأكدت لديه في الحال الأبعاد الأسطورية لعبور القناة واقتحام خط بارليف ودخول قوات مصرية رهيبة ضخمة علي مدي 180 كيلومترا من بور سعيد إلي السويس.. وبرغم المانع المائي المستحيل والتحصينات الإسرائيلية المنيعة، والجبهة الطويلة الشاسعة لم تحدث خسائر تذكر للقوات المصرية. هذا في الوقت الذي خسرت فيه إسرائيل 400 دبابة في الأيام الأربعة الأولي وانكسر الصلف الإسرائيلي نهائيا، وظهرت إسرائيل علي حقيقتها عارية أمام العالم أجمع ليري كم من الوقت خدعته وغررت به.
باستمرار المعركة دارت الدائرة علي إسرائيل وبدأ العالم يتعاطف مع العرب تماما مثلما كان متعاطفا مع الإسرائيليين عام ..1967 وفقد الإسرائيليون ثلث سلاح طيرانهم في الأيام الأولي من المعركة علي الجبهتين المصرية والسورية.
وكانت الخسارة أفدح عندما فقدوا أفضل طياريهم المدربين ، فقد كان الهجوم المسعور لطائراتهم وبالا عليهم إذ وقعوا في المصيدة التي نصبها لهم طيارونا بالاشتراك مع قوات الدفاع الجوي. وكانت طائراتنا من طراز ميج 17 ذات السرعة الأقل من الصوت قادرة علي إسقاط طائرات الفانتوم الأمريكية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت. وهذا يرجع إلي القضاء علي خبرة الطيارين الإسرائيليين في الموجات الأولي للهجوم ، مما دفع بإسرائيل إلي تجنيد الطيارين الجدد علي الفانتوم بحيث أصبحوا لقمة سائغة لطيارينا الخبراء ا

لمحترفين

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.